بقلم د. أحمد أبو العلا
استشاري أمراض الباطنة
لم تعد أزمة نقص الدواء في مصر مجرد مشكلة عابرة ترتبط بتأخر شحنة أو اضطراب مؤقت في الأسواق، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر القضايا الصحية والإنسانية إلحاحًا، بعدما وجد آلاف المرضى أنفسهم في مواجهة يومية مع اختفاء أدوية أساسية ترتبط بحياتهم بشكل مباشر، خاصة أدوية الأمراض المزمنة والقلب والسكر والأعصاب والأورام. وأصبح الحصول على بعض العقاقير رحلة شاقة يعيش خلالها المريض حالة من القلق والخوف، في وقت يفترض فيه أن يكون العلاج عنصرًا أساسيًا من عناصر الأمان الصحي والاجتماعي.
وفي الوقت الذي يشهد فيه العالم تطورًا طبيًا متسارعًا، يعيش المريض المصري هاجس فقدان الدواء، وهو ما يخلق أزمات صحية ونفسية متراكمة قد تتجاوز في خطورتها المرض نفسه. فالمريض الذي يعاني من مرض مزمن لا يبحث عن رفاهية علاجية، بل عن جرعة تحفظ استقرار حالته الصحية وتمنع تدهور جسده، وأي انقطاع مفاجئ للعلاج قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، وربما يهدد الحياة في بعض الحالات.
وترتبط أزمة نقص الدواء بعدة عوامل متشابكة، يأتي في مقدمتها الاعتماد الكبير على استيراد المواد الخام الداخلة في تصنيع الدواء، حيث تعتمد الصناعة الدوائية المصرية بصورة واسعة على الاستيراد من الخارج، ما يجعلها شديدة التأثر بالتغيرات الاقتصادية العالمية وتقلبات أسعار العملات الأجنبية وارتفاع تكاليف الشحن والإنتاج. ومع زيادة الضغوط الاقتصادية، تجد بعض شركات الأدوية نفسها أمام معادلة صعبة بين استمرار الإنتاج وتحمل التكلفة المرتفعة، ما يؤدي أحيانًا إلى تقليل إنتاج بعض الأصناف أو اختفائها مؤقتًا من الأسواق.
كما أن ظاهرة احتكار بعض الأدوية وتخزينها تمثل أحد أخطر أوجه الأزمة، إذ يؤدي إخفاء بعض الأصناف إلى خلق سوق موازية تُباع فيها الأدوية بأسعار مبالغ فيها، مستغلة احتياج المرضى الملح للعلاج. وتُعد هذه الممارسات غير القانونية خطرًا حقيقيًا يهدد استقرار سوق الدواء، ويضاعف من معاناة المرضى، خاصة محدودي الدخل الذين يجدون أنفسهم عاجزين عن توفير العلاج أو الحصول عليه بأسعار مناسبة.
ولا يمكن تجاهل تأثير الاستخدام غير الرشيد للأدوية، حيث أسهمت بعض المعلومات الطبية المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي في زيادة الإقبال العشوائي على شراء أدوية معينة وتخزينها دون حاجة حقيقية، ما تسبب في اختفاء بعض الأصناف الحيوية من الصيدليات. كما أن صرف الأدوية دون إشراف طبي في بعض الحالات يزيد من حجم الاستهلاك غير المنظم، ويؤدي إلى ضغط إضافي على السوق الدوائي.
ومن الناحية الطبية، فإن تغيير العلاج بصورة متكررة بسبب نقص الأدوية قد ينعكس بشكل سلبي على استجابة المريض للعلاج، خصوصًا في الأمراض المزمنة التي تحتاج إلى استقرار علاجي لفترات طويلة. فبعض المرضى قد يعانون من آثار جانبية نتيجة الانتقال المفاجئ بين البدائل المختلفة، بينما يشعر آخرون بحالة من القلق وعدم الأمان الصحي خوفًا من فقدان السيطرة على حالتهم المرضية. كما أن بعض الأدوية لا تمتلك بدائل متكافئة بنفس الكفاءة بالنسبة لبعض المرضى، ما يجعل الأزمة أكثر تعقيدًا من مجرد نقص في المعروض.
ولعل الجانب الأكثر قسوة في أزمة نقص الدواء لا يتمثل فقط في اختفاء العبوات من الصيدليات، بل في حالة الخوف التي أصبحت تسيطر على المرضى وأسرهم. فالكثير من العائلات باتت تبدأ يومها بسؤال مرهق: “هل سنجد العلاج اليوم؟”، بينما يتحول البحث عن دواء إلى رحلة طويلة بين عشرات الصيدليات وربما المحافظات المختلفة. ومع ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، أصبحت بعض الأسر مضطرة للاختيار بين استكمال العلاج أو توفير احتياجات الحياة الأساسية، في مشهد يكشف حجم الضغوط الصحية والاجتماعية والاقتصادية التي تفرضها الأزمة على المجتمع المصري.
وفي خضم هذه التحديات، يبرز الدور الحيوي الذي تقوم به وزارة الصحة والسكان وهيئة الدواء المصرية في متابعة سوق الدواء والعمل على الحد من النقص في الأصناف الحيوية، من خلال تكثيف حملات التفتيش والرقابة على مخازن الأدوية والصيدليات، ومتابعة حركة التوزيع، والتنسيق المستمر مع شركات الأدوية والمستوردين لتوفير الاحتياجات الأساسية للمرضى. كما تسعى الجهات الرقابية إلى مواجهة ممارسات الاحتكار والتلاعب بالأسعار، وضبط الأسواق لمنع تسريب الأدوية إلى السوق السوداء، خاصة في ظل زيادة الطلب على بعض العقاقير المهمة.
وفي الوقت ذاته، تلعب النقابات المهنية، وعلى رأسها نقابة الأطباء ونقابة الصيادلة، دورًا مهمًا في التوعية بالاستخدام الرشيد للأدوية، ومنع صرف العقاقير دون وصفات طبية، فضلًا عن نقل مشكلات المرضى والأطباء إلى الجهات المختصة بصورة مستمرة. كما تسهم هذه النقابات في دعم التواصل بين المؤسسات الطبية والجهات التنفيذية، بما يساعد على رصد الأزمات مبكرًا واقتراح حلول عملية تضمن الحفاظ على حق المريض في العلاج.
ورغم الجهود المبذولة، فإن الأزمة لا تزال بحاجة إلى حلول استراتيجية طويلة المدى، تقوم على دعم الصناعة الوطنية وتشجيع إنتاج المواد الخام الدوائية محليًا، وتوسيع الاستثمارات في قطاع الدواء، وتعزيز البحث العلمي والتكنولوجيا الدوائية، بما يحقق قدرًا أكبر من الاكتفاء الذاتي ويقلل الاعتماد على الخارج. كما أن تطوير منظومة توزيع الدواء وتطبيق رقابة رقمية أكثر دقة على حركة الأصناف الدوائية قد يسهمان بشكل كبير في الحد من الأزمات المستقبلية.
إن الدواء ليس مجرد سلعة تجارية، بل يمثل حقًا إنسانيًا وأحد أهم عناصر الأمن القومي الصحي. فالدول لا تُقاس فقط بما تمتلكه من مستشفيات وأجهزة حديثة، بل بقدرتها على توفير العلاج الآمن لمواطنيها في كل وقت. ويبقى الأمل معقودًا على تكاتف جميع الأطراف؛ الدولة، وشركات الدواء، والنقابات المهنية، والأطباء، والصيادلة، والمواطنين، من أجل بناء منظومة دوائية أكثر استقرارًا وعدالة، حتى لا يتحول المرض في يوم من الأيام إلى معركة إضافية عنوانها البحث عن الدواء المفقود.




